عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
185
اللباب في علوم الكتاب
المشاورة مع غيرهما ، وعند ذلك يبعد حصول موافقة الكلّ على ما يكون فيه ضرر الولد ، فعند اتّفاق الكلّ على أنّ الفطام قبل الحولين لا يضرّ الولد ألبتّة يجوز الفطام . فانظر إلى إحسان اللّه تعالى بهذا الطفل الصغير ، كم شرط في جواز فطامه من الشروط ؛ دفعا للمضارّ عنه ، ثم عند اجتماع هذه الشّرائط لم يصرّح بالإذن ، بل قال : « فَلا جُناحَ عَلَيْهِما » . قوله : « وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ » . « أن » وما في حيّزها في محلّ نصب ، مفعولا ب « أراد » وفي « استرضع » قولان للنّحويين : أحدهما : أنه يتعدّى لاثنين ، ثانيهما بحرف الجرّ ، والتقدير : أن تسترضعوا المراضع لأولادكم ، فحذف المفعول الأوّل وحرف الجر من الثاني ، فهو نظير « أمرت الخير » ، ذكرت المأمور به ، ولم تذكر المأمور ؛ لأنّ الثاني منهما غير الأوّل ، وكلّ مفعولين كانا كذلك ، فأنت فيهما بالخيار بين ذكرهما وحذفهما ، وذكر الأوّل ، دون الثاني والعكس . قال الواحديّ : « أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ » ، أي : لأولادكم وحذف اللام ، اجتزاء بدلالة الاسترضاع « 1 » ؛ لأنّه لا يكون إلّا للأولاد ، ولا يجوز : « دعوت زيدا » وأنت تريد لزيد ؛ لأنّه لا يلتبس « 2 » ها هنا خلاف ما قلنا في الاسترضاع ، ونظير حذف « اللّام » قوله تعالى : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [ المطففين : 3 ] أي : كالوا لهم ، أو وزنوا لهم . والثاني : أنه متعدّ إليهما بنفسه ، ولكنه حذف المفعول الأول ، وهذا رأي الزمخشريّ ، ونظّر الآية الكريمة بقولك : « أنجح الحاجة » « واستنجحته الحاجة » وهذا يكون نقلا بعد نقل ؛ لأنّ الأصل « رضع الولد » ، ثم تقول : « أرضعت المرأة الولد » ، ثم تقول : « استرضعتها الولد » ؛ هكذا قال أبو حيّان . قال شهاب الدين : وفيه نظر ؛ لأنّ قوله « رضع الولد » يشعر أنّ هذا لازم ، ثم عدّيته بهمزة النقل ، ثم عدّيته ثانيا بسين الاستفعال ، وليس كذلك ، لأنّ « رضع الولد » متعدّ ، غاية ما فيه أنّ مفعوله غير مذكور ، وتقديره : رضع الولد أمّه ؛ لأنّ المادّة تقتضي مفعولا به ؛ كضرب ، وأيضا فالتعدية بالسين قول مرغوب عنه ، والسين للطلب على بابها ؛ نحو : استسقيت زيدا ماء ، واستطعمته خبزا ؛ فكما أنّ ماء وخبزا منصوبان ، لا على إسقاط الخافض كذلك « أولادكم » ، وقد جاء [ استفعل ] للطّلب ، وهو معدّى إلى الثاني بحرف جرّ ، وإن كان « أفعل » الذي هو أصله متعدّيا لاثنين ، نحو : « أفهمني زيد المسألة » واستفهمته عنها ، ويجوز حذف « عن » ، فلم يجئ مجيء « استسقيت » و « استطعمت » من كون ثانيهما منصوبا ، لا على إسقاط الخافض .
--> ( 1 ) في ب : الاسترجاع . ( 2 ) في ب : يريد .